السيد كمال الحيدري

61

الإنسان بين الجبر والتفويض

القرآن نفسه ؛ لأنّه من مصدر واحد : وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافاً كَثِيراً ( النساء : 82 ) ؛ ويؤيّد ذلك الروايات . على هذا لا معنى للتعضية التي مارسها أصحاب هذا الاتّجاه ، لاسيّما وأنّ القرآن نفسه قد حذّر من خطأ هذا المنهج : الَّذِينَ جَعَلُوا الْقُرْآنَ عِضِينَ ( الحجر : 91 ) . انطلاقاً من هذه الملاحظة المنهجية واجه الاتّجاه الجبري ردوداً محكمة في مستنداته القرآنية قوّضت أدلّته على هذا الصعيد . توفيراً للجهد سنستفيد من محاولتين في هذا المجال ، تعود إحداهما إلى العلّامة الحلّي ( ت : 736 ه - ) والأخرى معاصرة . المحاولة الأولى : توفّر الحسن يوسف بن المطهر الحلّي في كتاب « نهج الحقّ وكشف الصدق » على استعراض نظرية المجبرة وتحليلها ، ثمّ تناولها بالنقد من زوايا متعدّدة ليخلص نهاية المطاف إلى أنّها تخالف القرآن والسنّة المتواترة والإجماع والعقل « 1 » . بشأن ما استدلّت به الجبرية من آيات القرآن سلك العلّامة الحلّي في مناقشتها نهجاً لطيفاً حيث ذكر عشر مجموعات من الآيات خالفتها الجبرية في مذهبها ، وأهملت دلالتها في استناد الأفعال إلى الإنسان . والطريف أنّ المخالفة في الآية الواحدة لا تقتصر على وجه واحد ، بل تشمل وجوهاً متعدّدة ، حيث يقول : « إنّه لا تمضي آية من الآيات إلّا وقد خالفوا فيها من عدّة أوجه ، فبعضها يزيد على عشرين ، ولا ينقص

--> ( 1 ) نهج الحقّ وكشف الصدق ، مصدر سابق : ص 120 .